(وقفة مع نهاية العام الهجري ) بقلم الدكتور الزبير محمد أيوب

عرض النافذة
(وقفة مع نهاية العام الهجري ) بقلم الدكتور الزبير محمد أيوب
4292 زائر
16-12-2009
غير معروف

وقفة مع نهاية العام الهجريّ
الحمد لله المنزه عن النقصان، سبحانه وتعالى عظيم الشأن، والصلاة والسلام على نبيه محمد الطاهر المطهّر، وعلى آله وصحبه أهل التقى والمآثر، وبعد:
أخي الحبيب: ها نحن نقدّم الخطى لنعبر عتبات عام منصرم لندخل عاماً جديداً.
وما أعظم أن يدرك المسلم عظمة هذا التاريخ، ولكن هل يكفي هذا، وقد انفرط عقد النظام؟!!
أخي العزيز: هل تذكرت نعمة الإسلام؟ والتي فاقت كل نعمة، وما أعظمه من ميلاد يوم أن بعث الله نبيه بدين الإسلام فأخرج العباد من الظلمات إلى النور ومن الضلالة إلى الهدى.
قال الإمام ابن رجب: ( رحم الله عباده بإرسال محمد فأنقذهم من الضلال كما قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] ولهذا قال الله تعالى: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الجمعة:4] فمن حصل له نصيب من دين الإسلام فقد حصل له الفضل العظيم وقد عظمت عليه نعمة الله فما أحوجه إلى القيام بشكر هذه النعمة وسؤاله دوامها والثبات عليها إلى الممات والموت عليها فبذلك تتم النعمة) .
أخي الكريم: كم يمر العام الهجري على المسلمين وأكثرهم لا يتذكر هذه النعمة الجليلة، ولا يلتفت إليها إلا إذا مرَّ عليه رأس العام الهجري الجديد، فلا يتذكر ذلك إلا تذكر الغافلين، فما أعظمها من مصيبة.
ثم يأخي المسلم: وأنت تتذكر العام الهجري الجديد هل خطر ببالك ذلك المصاب العظيم والذي زلزل المدينة الطاهرة يوم حدوثه؟ وهو موت النبي كم وكم من المسلمين لا يتنبّهون لذلك، وهو الحدث الذي آذن بأول شرط من أشراط الساعة، نعم لقد ترك النبي لنا كتاب الله تعالى وسنته الطاهرة ولكن فقده له وقعه الخاص على النفوس، هذا أبو الجوزاء يقول: ( كان الرجل من أهل المدينة إذا أصابته مصيبة جاء أخوه فصافحه ويقول: يا عبدا لله ثق بالله فإن رسول الله أسوة حسنة ).
إصبر لكل مصيبة وتجلد *** وأعلم بأنًّ المرء غيرُ مخلَّد
واصبر كما صبَر الكرامُ فإنها *** نوبٌ تَنُوبُ اليومَ تُكشفُ في غد
أخي المبجّل: كم تمر على المسلم الأعوام والحال هي هي!! لا يتغير ولا يتبدل عما هو فيه من غفلة وقسوة في القلب ومعاص بلغت عنان السماء، أوامر الرحمن معطلة وأوامر الشيطان منفّذة، انشغل الناس بالمعاصي، فإذا كان العام الهجري الجديد، قالوا: هذا هو العام الجديد، ولكن
أخي المبارك: أين الجديد من أفعالك؟ أين الجديد من أقوالك؟ ألا يوجد قلب ناه يفكر فيما مضى من العمر وانصرم من الساعات؟!!

قال الإمام ابن رجب: ( العجب ممن عرف ربه ثم عصاه وعرف الشيطان ثم أطاعه: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ .
أخي في الله: ها هي الأرض تعجّ بالمعاصي والذنوب وتجأر إلى الله من ذلك، وقد غاب عن القلوب الرقيب والمذكِّر، فكانت المصائب والويلات التي تجرع المسلم مرارتها، زلازل فيضانات ومجاعات وحروب وكسوف بين الحين والآخر، فلا أحد يرعوي ولا مقلع عن الهوى ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم:41.
أخي الفاضل: أما آن لك أن تدرك وأنت تدخل عاماً هجرياً جديداً، أن المعاصي والذنوب سبب من أسباب الذل والمهانة، وكم تأتي المعاصي بتسلط الأعداء والذل والصغار.
فقد كان من عامة دعاء إبراهيم بن أدهم: ( اللهم انقلني من ذل المعصية إلى عز الطاعة ) ومن دعاء الإمام أحمد بن حنبل:( اللهم أعزني بطاعتك ولا تذلني بمعصيتك).
أخي في العقيدة: هذه فرصة جديدة لك إن قُدر لك أن تحيا هذا العام الجديد، فليكن لك من نفسك رقيباً، فإن الله تعالى محّص عليك أعمالك إن كانت خيراً أو شراً،
قال : { إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يُرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه} [رواه مسلم].
أخي العزيز: هل فكرت في أن لا يرفع لك إلا عمل صالح؟ فإن ساعات العمر محسوبة وكل يوم يمضي من حياتك ينقص به يوم من عمرك يكتب لك فيه ما قلته من قول أو فعلته من فعل مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ( يكتب كل ما تكلم به من خير وشر حتى إنه ليكتب قوله: أكلتُ وشربتُ وذهبتُ وجئتُ ورأيتُ حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله فأقر منه ما كان فيه من خير وشر وأُلقي سائره فذلك قوله تعالى: يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:39.
أخي في الله: كم كان الصالحون يحرصون على إحصاء ساعات الليل والنهار وكم كانوا يشفقون أن ترفع لهم أعمال سيئة، فوا حسرة أهل الدنيا عندما فاتتهم هذه اللذة، لقد كان إبراهيم النخعي يبكي إلى امرأته يوم الخميس وتبكي إليه ويقول: ( اليوم تعرض أعمالنا على الله عز وجل ) وكان الضحاك يبكي آخر النهار ويقول: ( لا أدري ما رُفع من عملي، يا من عمله معروض على من يعلم السر وأخفى لا تبهرج فإن الناقد بصير ).
قال الإمام ابن القيم: ( إضاعة الوقت أشد من الموت لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها ). وقال أيضاً رحمه الله: ( أعظم الربح في الدنيا أن تشغل نفسك كل وقت بما هو أولى بها وأنفع لها في معادها ).
أخي الحبيب: هل فكرت يوماً وأنت تحاسب نفسك كم صعد لك من الأعمال الصالحة؟ من صلاة وصيام وصدقة وقراءه للقرآن وذكر لله تعالى، إنها الأيام تمر وانه العمر ينقضي قال : { لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه؟ وعن عمله فيم فعل؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه }[رواه الترمذي].
عزيزي: كم من العمر يمضي في غير طاعة الله؟! كم من الساعات تنقضي في اللهو والعبث؟! فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : { نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ }[رواه البخاري].
قال الإمام ابن الجوزي: قد يكون الإنسان صحيحاً ولا يكون متفرغاً لشغله بالمعاش، وقد يكون مستغنياً ولا يكون صحيحاً، فإذا اجتمعا فغلب عليه الكسل عن الطاعة فهو المغبون، وتمام ذلك أن الدنيا مزرعة الآخرة وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة الله فهو المغبوط ومن استعملها في معصية الله فهو المغبون لأن الفراغ يعقبه الشغل والصحة يعقبها السقم ولو لم يكن إلا الهرم كما قيل:
أخي: لقد أفنينا أعمارننا في حب الدنيا والتنافس في الإستزاده منها والتكاثر في إقتناء حطامها أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ [التكاثر:1-2].
أخي المبارك: اغتنم مواسم الطاعات وأيام القربات فلا تفوتنك وأنت لاه غافل يمر عليك شهر شعبان فماذا أديت من الطاعات؟ ويمر عليك شهر رمضان شهر الصبر والقرآن والقيام في أيامه الحسان فماذا أديت فيه من الطاعات؟ وتمر عليك أشهر الحج أيام زيارة المشاعر المعظمة، فما الذي قدمته من القربات؟ وهل سكبت الدموع هنالك ونثرت بين يدي مولاك الحاجات؟
أخي المسلم: تذكر بانتقضاء السنين انقضاء الأعمار وبزوال الليل والنهار الدنو من دار القرار وبالحر والبرد جنان ربك والنار.
ألقاكم بخير، وكلّ عام وأنتم بألف ألف خير
...

   طباعة 
8 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
19-12-2009 (غير مسجل)

جابر الربعي

جزاك الله خيرا يا شيخ الزبير وبارك فيكم وفي والدكم الكريم
18-12-2009 (غير مسجل)

وجه السعد

اللهم أجعل عامنا القادم أفضل من عامنا الماضي بتوفيقنا لطاعتك وترك معصيتك يا رب العالمين، اللهم اجعل عامنا القادم فرصة لقبولنا في قافلة العائدين إليك والمنيبين إليك يا ذا الجلال والإكرام ،آمين يارب العالمين
بارك الله فيك يا الشيخ الزبير وفي الأمه الإسلاميه عامة..وكل عام وأنتم بألف خير لبداية عام هجري جديديعود عليكم بالصحة والعافية والفرج ..آمين .
[ 1 ]
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
2 + 9 = أدخل الكود
روابط ذات صلة